المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طب القلوب



محمود كامل
13/10/2007, 02:04 PM
طـب القـلـوب


الحمد لله رب العالمين, حمداً طيباً مباركاً فيه, و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد النبي الأمي, و على آله و صحبه أجمعين


القلب : هو مركز الإنسان, هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله..

"و تلف القلب يؤدي إلى تلف الإنسان كليّاً, و فقدان الدنيا و الآخرة, و كان مثله كالذي تحدث القرآن عنه (خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين)

و إذا كان أطباء القلوب في زماننا قلة, فإن عيادات قديمة ما زالت مفتوحة أبوابها, تقدِّم الوصفات و العلاج لزوارها, و تقوم بفحص عام لمن أراد ذلك, و بغير مقابل, ابتغاء وجه الله تعالى, كما تقدم له نشرات التوعية... حتى يهتم بنفسه

فهناك عيادة الحسن البصري, و عيادة الحارث المحاسبي, و عيادة الجنيد, و عيادة الغزالي.. و غيرهم كثير رحمهم الله و أجزل ثوابهم

و ابن القيم –رحمه الله- واحد من أعلام هذا الميدان المشهورين, المشهود لهم بالخبرة و الدراية و المعرفة."

فسنقوم هنا بإذن الله بجولة في كتاب (طب القلوب) للإمام ابن القيم رحمه الله.. نتعرف على أنواع القلوب لنبتعد عن الميت منها و نحاول إنتشال القلب المريض من مرضه بعد تشخيصه, لننعم بقلوب صحيحة سليمة متصلة بالله متعلقة بحبه عز وجل.

محمود كامل
13/10/2007, 02:06 PM
مكانة القلب:



القلب: هو أشرف أعضاء البدن, و به قوام الحياة, و جميع الأعضاء الظاهرة و الباطنة إنما هي جند من أجناد القلب. قال النبي صلى الله عليه وسلم ( ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, و إذا فسدت فسد الجسد كله, ألا و هي القلب)
و قال أبو هريرة رضي الله عنه: "القلب ملك, و الأعضاء جنوده, فإن طاب الملك طابت جنوده, و إن خبث الملك خبثت جنوده".


و للقلب أحوال ثلاثة:


الأول: القلب الصحيح


و هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به, كما قال سبحانه تعالى: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
إنه القلب الذي سلم من كل شهوة تخالف أمر الله و نهيه, و من كل شبهة تعارض خبره.
فسلم من عبودية ما سواه, و سلم من تحكيم غير رسوله. فسلم من محبة غير الله معه, و من خوفه و رجائه و التوكل عليه, و الإنابة إليه, و الذل له, و إيثار مرضاته في كل حال, و التباعد من سخطه بكل طريق.
خلص عمله لله, فإن أحب أحب في الله, و إن أبغض أبغض في الله, و إن أعطى أعطى لله, و إن منع منع لله.



الثاني: القلب الميت


هو القلب الذي لا حياة فيه, فهو لا يعرف ربه, و لا يعبده بأمره و ما يحبه و يرضاه, بل هو واقف مع شهواته و لذاذاته, و لو كان فيها سخط ربه و غضبه, فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه رضي ربه أم سخط.
إن أحب أحب لهواه, و إن أبغض أبغض لهواه, و إن أعطى أعطى لهواه, و إن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده و أحب إليه من رضا مولاه.
فالهوى إمامه, و الشهوة قائده, و الجهل سايسه, و الغفلة مركبه.
فمخالطة صاحب هذا القلب سَقَم, و معاشرته سُمّ, و مجالسته هلاك.


الثالث: القلب المريض


هو قلب له حياة و به علة.. ففيه من محبة الله و الإيمان به و الإخلاص له و التوكل عليه ما هو مادة حياته. و فيه من محبة الشهوات و إيثارها و الحرص على تحصيلها, و الحسد و الكبر و العجب, و حب العلو في الأرض بالرياسة ما هو مادة هلاكه و عطبه.
و هو ممتحن من داعيين:
داع يدعوه إلى الله و رسوله و الدار الآخرة, و داع يدعوه إلى العاجلة. و هو إنما يجيب أقربهما منه باباً و أدناهما إليه جواباً
فإن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي, و إن غلبت عليه صحته التحق بالسليم.

محمود كامل
13/10/2007, 02:09 PM
و لأبن القيم رحمه الله وصف آخر لأنواع القلوب جاء في كتابه الداء و الدواء. إذ يقول رحمه الله:

و كما أن الطاعة تنور القلب, و تجلوه و تصقله, و تقويه و تثبته, حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها و صفائها فيمتليء نوراً. فإذا دنى الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب. فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الأسد. حتى أن صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعاً فيجتمع عليه الشياطين فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه? فيقال: أصابه إنسي. و به نظرة من الإنس:





فيا نظرة من قلب حُـرٍ منـور يكاد لها الشيطان بالنور يحرق







أفيستوي هذا القلب و قلب مظلمة أرجاؤه مختلفة أهواؤه.. قد اتخذه الشيطان وطنه و أعده مسكنه.. و قال: فديت من قرين لا يفلح في دنياه و لا في أخراه!!








قرينك في الدنيا و في الحشر بعدهافأنـت قريـن لـي بكـل مـكـان

فإن كنت في دار الشقـاء فإننـيو أنت جميعـاً فـي شقـاً و هـوان

محمود كامل
13/10/2007, 02:12 PM
علامات مرض القلب و صحته


مرض القلب أن يتعذر عليه ما خلق له من المعرفة بالله و محبته و الشوق إلى لقائه و الإنابة إليه و إيثار ذلك على كل شهوة.

فلو عرف العبد كل شيء و لم يعرف ربه, فكأنه لم يعرف شيئاً, و لو نال كل حظ من حظوظ الدنيا و لذاتها و شهواتها و لم يظفر بمحبة الله و الشوق إليه و الأنس به, فكأنه لم يظفر بلذة و لا نعيم و لا قرة عين. فيصير معذباً بنفس ما كان منعماً به من جهتين:

- من جهة حسرة فَوته, و أنه حيل بينه و بينه, مع شدة تعلق قلبه به.
- من جهة فَوْت ما هو خير له و أنفع و أدوم, حيث لم يحصل له.

و كل من عرف الله أحبه, و أخلص له العبادة و لا بد, و لم يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات.

و قد يمرض القلب و يشتد مرضه, و لا يعرف به صاحبه لاشتغاله و انصرافه عن معرفة صحته و أسبابها, بل قد يموت و صاحبه لا يشعر بموته و علامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح, و لا يوجعه جهله بالحق و عقائده الباطلة. فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه, و تألم بجهله بالحق بحسب حياته, و ما لجرح بميت إيلامُ

و قد يشعر بمرضه, و لكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء و الصبر عليها, فهو يؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء, فإن دواؤه في مخالفة الهوى, و ذلك أصعب شيء على النفس, و ليس لها أنفع منه. و هذه حال أكثر الخلق و هي التي أهلكتهم.




علامات صحة القلب:


القلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي. و أنفع الأغذية غذاء الإيمان و أنفع الأدوية دواء القرآن.

و من علامات صحته أيضاً: أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة, و يحل فيها, حتى يبقى كأنه من أهلها و أبنائها, و قد جاء هذه الدار غريباً يأخذ منها حاجته و يعود إلى وطنه, كما قال النبي صلى الله عليه و سلم لعبد الله بن عمر: ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل, و عدّ نفسك من أهل القبور)
و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن الدنيا قد ترحلت مدبرة, و إن الآخرة قد ترحلت مقبلة, و لكل منهما بنون, فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا, فإن اليوم عمل و لا حساب و غداً حساب و لا عمل.

و من علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله و يخبت إليه و يتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه, الذي لا حياة له و لا فلاح و لا نعيم و لا سرور إلا برضاه و قربه و الأنس به, فيه يطمئن, و إليه يسكن, و إليه يأوي, و به يفرح, و عليه يتوكل, و به يثق, و إياه يرجو, و له يخاف.
فإذا حصل له ربه سكن إليه و اطمأن به و زال ذلك الإضطراب و القلق و انسدت تلك الفاقة. فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله أبداً, و فيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه, و فيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له و عبادته وحده.

قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا, خرجوا من الدنيا و ما ذاقوا أطيب ما فيها, قيل: و ما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله و الأنس به و الشوق إلى لقائه و التنعم بذكره و طاعته.

و قال آخر: إنه ليمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.

و قال آخر: و الله ما طابت الدنيا إلا بمحبته و طاعته, و لا الجنة إلا برؤيته و مشاهدته.

و قال أبو الحسين الوراق: حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت, و العيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير.

و قال آخر: من قرت عينه بالله قرت به كل عين, و من لم تقر عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات.

و من علامات صحة القلب: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه و غمه بالدنيا و اشتد عليه الخروج منها, و وجد فيها راحته و نعيمه, و قرت عينه و سرور قلبه.

و من علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحاً بماله.
و منها: أن يكون إهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل, فيحرص على الإخلاص فيه و النصيحة و المتابعة و الإحسان, و يشهد مع ذلك منّة الله فيه و تقصيره في حق الله.

فلله هاتيك القلوب و ما انطوت عليه من الضمائر, و ماذا أودعته من الكنوز و الذخائر, و لله طيب أسرارها و لا سيما يوم تبدو السرائر.




doPoem(0)


سيبدو لها طيب و نور و بهجةو حسن ثناء يوم تبلى السرائر

محمود كامل
13/10/2007, 02:21 PM
مفسدات القلب و أسباب أمراضه




مفسدات القلب سبعة و هي:


المفسد الأول - كثرة الخلطة


أثرها: إمتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، و يوجب له هماً و غماً و ضعفاً و حملاً لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، و إضاعة مصالحه، و الإشتغال عنها بهم و بأمورهم، و تقسم فكره في أودية مطالبهم و إرادتهم. فماذا يبقى منه لله و الدار الآخرة؟


و الضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير، و يعتزلهم في الشر و فضول المباحات. فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر و لم يمكنه إعتزالهم فالحذر الحذر أن يوافقهم و ليصبر على أذاهم. و إن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله، و يؤثر فيهم من الخير ما أمكنه.


فإن أعجزته المقادير عن ذلك، فليكن فيهم حاضراً غائباً، ينظر إليهم و لا يبصرهم و يسمع كلامهم و لا يعيه لأنه قد أخذ قلبه من بينهم و رقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية. و ما أصعب هذا و أشقه على النفوس، و إنه ليسير على من يسره الله عليه.


و قد ذكر الشيخ إبن القيم رحمه الله في كتاب بدائع الفوائد للناس أربعة أقسام:


أحدها: مَن مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم و الليلة, فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة, و هم العلماء بالله و أمره و مكايد عدوه و أمراض القلوب و أدويتها, الناصحون لله و لكتابه و لرسوله و لخلقه, فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله


القسم الثاني: من مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند المرض, فما دمت صحيحاً فلا حاجة لك في خلطته, و هم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش و قيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات و المشاركات و الإستشارة.


القسم الثالث: و هم مخالطته كالداء على إختلاف مراتبه و أنواعه و قوته و ضعفه, فمنهم من مخالطته كالداء العضال و المرض المزمن, و هو من لا تربح عليه في دين و لا دنيا, و مع ذلك لا بد من أن تخسر عليه الدين و الدنيا أو أحدهما, فهذا إذا تمكنت مخالطته و اتصلت فهي مرض الموت المخوف
و منهم من مخالطته كوجع الضرس يشتد ضرباً فإذا فارقك سكن الألم
و منهم من مخالطته حمى الروح و هو الثقيل البغيض العقل, الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك و لا يحسن أن ينصت فيستفيد منك


القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله و مخالطته بمنزلة أكل السم, و ما أكثر هذا الضرب لا كثّرهم الله, و هم أهل البدع و الضلالة الصادون عن سبيل الله و يبغونها عوجاً. فالحزم كل الحزم التماس مرضات الله تعالى و رسوله بإغضابهم. و أن لا تشتغل بإعتابهم و لا بإستعتابهم.

محمود كامل
13/10/2007, 02:25 PM
المفسد الثاني - التمني

المفسد الثاني من مفسدات االقلب ركوبه بحر التمنّي, و هو بحر لا ساحل له. و هو البحر الذي يركبه مفاليس العالم و بضاعة ركابه مواعيد الشيطان و خيالات المحال و البهتان, و هي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل إعتاضت عنها بالأماني الذهنية.

و كل بحسب حاله: من متمن للقدرة و السلطان أو للأموال و الأثمان أو للنسوان و المردان, فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه و قد فاز بوصولها و التذّ بالظفر بها. فبينا هو على هذه الحال, إذ استيقظ فإذا يده الحصير.

و صاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم و الإيمان و العمل الذي يقربه إلى الله و يدنيه إلى جواره. فأماني هذا إيمان و نور و حكمة. وأماني أولئك خداع و غرور.




المفسد الثالث - التعلق بغير الله تعالى

و هو من أعظم مفسدات القلب على الإطلاق. فإنه إن تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به, و خذله من جهة ما تعلق به, و فاته تحصيل مقصوده من الله عز و جل بتعلقه بغيره. و بالجملة فأساس الشرك و قاعدته التي بني عليها : التعلق بغير الله و لصاحبه الذم و الخذلان.
و مثل المتعلق بغير الله كمثل المستضل من الحر و البرد ببيت عنكبوت, أوهن البيوت.




المفسد الرابع - الشبع

و المفسد له من ذلك نوعان :
أحدهما ما يفسده لعينه و ذاته كالمحرمات كالميتة و الدم و لحم الخنزير و ذي الناب من السباع و المخلب من الطير, و كالمسروق و المغصوب و المنهوب و ما أخذ بغير رضى صاحبه
و الثاني: ما يفسده بقدره و تعدي حده كالإسراف في الحلال و الشبع المفرط. فإنه يثقله عن الطاعات و يشغله بمزاولة مؤنة البطنة و محاولتها حتى يظفر بها, فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها و التأذي بثقلها, و قوى عليه مواد الشهوة, و طرق مجاري الشيطان ووسعها. و من أكل كثيراً شرب كثيراً و نام كثيراً فخسر كثيراً




المفسد الخامس - كثرة النوم

فإنه يميت القلب و يثقل البدن و يضيع الوقت و يورث كثرة الغفلة و الكسل. و منه المكروه جداً و منه الضار غير النافع للبدن.
و أنفع النوم: ما كان من شدة الحاجة إليه. و نوم أول الليل أحمد و أنفع من آخره. و نوم وسط النهار أنفع من طرفيه. و كلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه و كثر ضرره و لا سيما نوم العصر. و نوم أول النهار إلا لسهران.
و من المكروه عندهم: النوم بين صلاة الصبح و طلوع الشمس فإنه وقت غنيمة. فإنه أول النهار و مفتاحه, و وقت نزول الأرزاق و حصول القسم و حلول البركة, و منه ينشأ النهار و ينسحب حكمه على حكم تلك الحصة فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر.

و بالجملة فأعدل النوم و أنفعه: نوم نصف الليل الأول و سدسه الأخير و هو مقدار ثمان ساعات. و هذا أعدل النوم عند الأطباء.

و من النوم الذي لا ينفع أيضاً: النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكرهه.

و كما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته و هجره مورث لآفات أخرى عظام: من سوء المزاج و يبسه, و انحراف النفس, و جفاف الرطوبات المعينة على الفهم و العمل, و يورث أمراضاً متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه و لا بدنه معها. و ما قام الوجود إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير.




المفسد السادس - فضول النظر

إن فضول النظر يدعو إلى الإستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب و الإشتغال به و الفكرة في الظفر به, فمبدأ الفتنة من فضول النظر, كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره لله أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه).
فالحوادث العظام إنما كلها من فضول النظر فكم نظرة أعقبت حسرات لا حسرة



doPoem(0)


كل الحوادث مبداها مـن النظـرو معظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبهـافتك السهام بلا قـوس و لا وتـر








المفسد السابع - فضول الكلام

و أما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبواباً من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها, و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم لمعاذ: ( و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم). و كان السلف يقولون: ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان.

و أكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام و النظر, و هما أوسع مداخل الشيطان, فإن جارحتيهما لا يملان و لا يسأمان





إن هذه السبعة تطفيء نور القلب، و تعور عين بصيرته، و تثقل سمعه، إن لم تَصُمه و تُبكمه و تضعف قواه كلها. و توهن صحته و تُفتر عزيمته و توقف همته و تنكسه إلى الوراء

محمود كامل
13/10/2007, 02:28 PM
إختلاف موقف القلوب أمام الأمر الواحد



قال تعالى : (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا ) .


أخبر سبحانه و تعالى عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر. فذكر سبحانه خمس حكم:


فتنة الكافرين, فيكون ذلك زيادة في كفرهم و ضلالهم


قوة يقين أهل الكتاب, فتقوى أنفسهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهم, فتقوم الحجة على معاندهم, و ينقاد للإيمان من يرد الله أن يهديه


و زيادة إيمان الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك و الإقرار به.


و انتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك, و عن المؤمنين لكمال تصديقهم به.


حيرة الكافر و من في قلبه مرض, و عمى قلبه عن المراد بذلك فيقول: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا )



و هذه حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها:


قلب يفتتن به كفراً و جحوداً
و قلب يزداد به إيماناً و تصديقاً
و قلب يتيقنه فتقوم عليه به الحجة
و قلب يوجب له حيرة و عمى فلا يدري ما يراد به

محمود كامل
13/10/2007, 02:30 PM
القلب محتاج:

إلى ما يحفظ عليه قوته و هو الإيمان و أوراد الطاعات
و إلى حمية عن المؤذي الضار, و ذلك بإجتناب الآثام و المعاصي و أنواع المخالفات.
و إلى إستفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له و ذلك بالتوبة النصوح و استغفار غافر الخطيئات

و مرضه هو نوع فساد يحصل له, فيفسد به تصوره للحق و إرادته له, فلا يرى الحق حقاًً أو يراه على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه له, و تفسد به إرادته له, فيبغض الحق النافع أو يحب الباطل الضار أو يجتمعان له و هو الغالب

و القلب إذا كان فيه مرض آذاه أدنى شيء: من الشبهة أو الشهوة, حيث لا يقدر على دفعهما إذا وردا عليه, و القلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك و هو يدفعه بقوته و صحته


و قد ذكر إبن القيم خلاصة أمر القلب في كتاب الفوائد فقال:

القلب يمرض كما يمرض البدن و شفاؤه في التوبة و الحمية.
و يصدأ كما تصدأ المرآة و جلاؤه بالذكر
و يعرى كما يعرى الجسم و زينته التقوى
و يجوع و يضمأ كما يجوع البدن و طعامه و شرابه: المعرفة و المحبة و التوكل و الإنابة و الخدمة.

محمود كامل
13/10/2007, 02:33 PM
منشأ أمراض القلب من النفس


إتفق السالكون إلى الله على إختلاف طرقهم و تباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب و بين الوصول إلى الرب, و أنه لا يدخل عليه سبحانه و لا يوصل إليه إلا بعد إماتتها و تركها بمخالفتها و الظفر بها

فإن الناس على قسمين:

قسم ظفرت به نفسه, فملكته و أهلكته و صار طوعاً لها تحت أوامرها

و قسم ظفروا بنفوسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم منفذة لأوامرهم

فمن ظفر بنفسه أفلح و أنجح و من ظفرت به نفسه خسر و هلك. قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)

فالنفس تدعو إلى الطغيان و إيثار الحياة الدنيا. و الرب تعالى يدعو عبده إلى خوفه و نهي النفس عن الهوى. و القلب بين الداعيين, يميل إلى هذا الداعي مرة و إلى هذا مرة. و هذا موضع المحنة و الإبتلاء

و قد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاثة صفات: المطمئنة, و الأمارة بالسوء, و اللوامة.


النفـس المطمئنة:

فالنفس إذا سكنت إلى الله و اطمأنت بذكره و أنابت إليه و اشتاقت إلى لقائه و أنست بقربه فهي مطمئنة و هي التي يقال لها عند الوفاة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً).

و حقيقة الطمأنينة: السكون و الإستقرار, فهي التي سكنت إلى ربها و طاعته و أمره و ذكره, و لم تسكن إلى سواه, فقد إطمأنت إلى محبته و عبوديته و ذكره, و اطمأنت إلى أمره و نهيه و خبره, و اطمأنت إلى لقائه و وعده, و اطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه و صفاته, و اطمأنت إلى الرضى به رباً و بالإسلام ديناً و بمحمد رسولاً و اطمأنت إلى قضائه و قدره و اطمأنت إلى كفايته و حسبِه و ضمانه. فاطمأنت بأنه وحده ربها و إلهها و معبودها و مليكها و مالك أمرها كله, و أنها لا غنى لها عنه طرفة عين.


النفس الأمارة بالسوء:

تأمر صاحبها بما تهواه: من شهوات الغيّ و اتباع الباطل, فهي مأوى كل سوء, إن أطاعها قادته إلى كل قبيح و كل مكروه
و قد أخبر سبحانه أنها أمارة بالسوء و لم يقل "آمرة" لكثرة ذلك منها, و أنه عادتها و دأبها إلا إذا رحمها الله و جعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير فذلك من رحمة الله لا منها. فإنها بذاتها أمارة بالسوء لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة, و العدل و العلم طارئ عليها بإلهام ربها و فاطرها لها ذلك, فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها و جهلها. فلم تكن إلا أمارة لموجب الجهل و الظلم, فلولا فضل الله و رحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.

و بهذا يعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة, و لا يشبهها ضرورة تقاس بها, فإنه إن أمسك عنه رحمته و توفيقه و هدايته طرفة عين خسر و هلك.



محمود كامل



منقولة للفائدة

عدنان المختار
24/11/2007, 11:57 AM
بارك الله فيك

محمود كامل
06/12/2007, 10:43 PM
بارك الله فيك

جزاك الله خيراً
يأخى/ عدنان المختار
وبارك فيك