هل كنت أنا الجاني
أتعرفين ما أجمل أمر في برج إيفل؟.
قالت: ما هو؟
قلت: أنك واقفة أمامه.
قالت: بل لأني معك.
كنا ننظر بسكون وشغف إلى برج إيفل، ... كنا نتكلم بصوت هامس نوعاً ما.
قالت: أشعر بقوة الله حين أنظر للأشياء العالية.
قلبتها في ذهني: القوة؟!
قالت: حبيبي أحسّ بقوة الله.
صمتُّ وأنا أقلّب النظر في البرج المرتفع يكاد يصل عنان السماء.
قلت: حبيبتي هو الجلال الذي تشعرين وأفضت في القول....
قالت لا أدري ربما، ذات الشعور أشعر به حين...حين أكون معك.
نظرت فيها كانت تنظر في شعر رأسي كأنها تنظر إلى رأس البرج.
قلت في نفسي: هل هي مشاعر الأنثى ؟.....
صعد بنا مصعد برج إيفل ببطء شديد.
حين صعدنا إلى قمة البرج كان المنظر مدهشاً، باريس تلتمع برقة وجمال، يزيدها البرد ألقاً، كانت كعالم من سحر.
أطلت النظر، قلت: أتعرفين أي أمر جميل بباريس؟
قالت: ما ...؟
قلت: أنك تنظرين إليها.
ابتسمت عيناها مضيفة سكوناً للحظات التي تمر لا ندري بها.
أنفها قد احمرّ من شدة البرد، لكن المنظر كان بديعاً، كنت أشعر بالدفء.
باريس برقتها تلمع لا تعرف أين تصوبُ بصرك... كلما ظننتَ أنك أمسكت مصدر الجمال هرب منك حين تنظر لغيره.
قلت انظري حبيبتي هناك.... وأشرت لها.. تأملي بنظرك دون التدقيق نظرة كلية، ثم حاولي أن تصمتي برهة وتحبسي أنفاسك، ستظهر لك مناظر جديدة وسترى عيناك ما لم تكن ترى من قبل ... وسيتغير الشعور المألوف لذات المنطقة.
بعد برهة نظرت فيها، قلتُ: أشعرت بالجمال؟ أومأت برأسها.
نظرت فيها قلت: كلما نظرت فيك كان هذا السحر يتجدد في عينيك، لا أعرف له سراً، كلما قلت إني وصلت إليه تغيّر وظهر بمظهر جديد يسحرني.
قالت: أحبك.
أردتُ التتمة لكنَّ تياراً بارداً لفحنا...
قالت: لا ترهقِ الحبَ فلسفة .... يا حبيبي.
صمتُ برهةً، قلتُ: قد آن أوان الرحيل.
لم تتكلم ولم أجب.
كان صمتها سؤالاً وكان ردي واضحاً.
كانت تلاحقني بصمتها وكنت أهرب بحزمي.
كانت تقدم دائماً حبيبي على أي جملة، قالتها أخيراً كبقشيش ترضية.
نزلَ فينا المصعد بسرعة وتفرقنا، كلٌ في طريقه مشى ينظر تارة لخلفه يتمنى أن ينظر الآخر إليه، حين يراه يغذ السير يتابعُ الهروب، ربما كانت دمعاتها تنهملُ متطايرة مع نسيم باريس البارد.
بعد أن تباعدت الخطا كان البرج أصبح أصغر وكان جمال باريس قد اختفى، لكن الحزن قد ازداد.
ربما كانت باريس أضيق أن تجمعنا، وربما كانت هي الفلسفة التي فرقتنا وربما كان الفراق واجباً .... لا أدري هل كنت أنا الجاني؟
باريس تباً لك ولبرجك.
طارق حقي