الصورة
مراجعة لكتابي
د باسل الطائي
وجدت على الشبكة مراجعة لباحثين إثنين من إندونيسيا لكتابي (دقيق الكلام: الرؤية الإسلامية لفلسفة الطبيعة) الذي تم نشره بالإنجليزية بعنوان مقارب. قمت بترجمتها من الإنجليزية وأحببت مشاركتكم بما فيها.
مراجعة كتاب: Islam & Natural Philosophy: principles of Daqīq al-Kalām
(الإسلام والفلسفة الطبيعية: مبادئ دقيق الكلام)
المؤلف: محمد باسل الطائي
نشر: بيكون بوكس – مانشستر/بريطانيا 2023
مراجعة: حسن الأسْعَري وجوريس أروزِي
معهد الفكر الإسلامي وتنمية الإنسان – باندونغ/أندونيسيا
يمكن تقسيم علم الكلام بوجه عام إلى قسمين: جليل الكلام ودقيق الكلام.
يتناول القسم الأول المسائل اللاهوتية البحتة، بينما يعالج القسم الثاني موضوعات تتعلق بالفلسفة الطبيعية مثل السببية، والإرادة الحرة، والزمن، والمكان، وغير ذلك.
الكتاب قيد المراجعة يعالج القسم الثاني تحديدًا، إذ يقدم محاولة أصيلة لإحياء دقيق الكلام وإعادة صياغته في سياق معاصر.
المؤلف العراقي، المتخصص في الفيزياء النظرية من جامعة مانشستر، يتمتع بخبرة تمتد إلى أكثر من ثلاثين عامًا في مجال علم الكلام، ويقدّم من خلال هذا العمل تفاعلاً مثيرًا بين علم الكلام الكلاسيكي والاكتشافات العلمية الحديثة.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول يقدم عرضًا تاريخيًا لتطور علم الكلام، ابتداءً من مناظرات الأشاعرة والمعتزلة، مرورًا بتطور دقيق الكلام على يد مفكرين مثل ابن حزم (ت 1064م)، والغزالي (ت 1111م)، وفخر الدين الرازي (ت 1209م).
يشير المؤلف إلى أن التمييز بين الجليل والدقيق في الكلام كان واضحًا في بعض النصوص المبكرة مثل مقالات الإسلاميين للأشعري، إلا أن المتكلمين اللاحقين قلّما استخدموا هذا التقسيم.
كما يربط المؤلف بعض الاكتشافات العلمية الحديثة ذات الصلة بإعادة صياغة دقيق الكلام، مثل نظرية النسبية وميكانيكا الكم.
في الجزء الثاني يعرض صياغة المؤلف للمبادئ الأساسية لدقيق الكلام، وهي: الذرّية، والحدوث، ومبدأ الخلق المستمر (تجدد الخلق)، والإمكان واللاحتم، ووحدة الزمان والمكان.
يرى المتكلمون أن جميع الموجودات في الطبيعة قابلة للقسمة إلى أجزاء متناهية في الصِغر، وهو ما يقود إلى مفاهيم الجوهر، والعرض، والتحيز، والخلاء.
كما يؤمن المتكلمون أن العالم خُلق من عدم، مع الزمن لا في الزمن، أي إن الزمان نفسه مخلوق مع العالم، مما يعني وحدة الزمان والمكان ونفي الزمن المطلق، وهو ما يتوافق مع نظرية النسبية العامة. كذلك يقولون بانفصال الزمن إلى لحظات متقطعة، وأن الأعراض لا تبقى زمانين، ما يعني أن العالم يُعاد خلقه في كل لحظة. وهذا يستلزم وجود خالق مدبّر – الله – الذي تتعلق به جميع الموجودات. وبذلك يُرفض الحتم السببي في الطبيعة، في انسجام مع نتائج ميكانيكا الكم التي تشير إلى لا حتمية العالم المجهري.
في الجزء الثالث هو الأعمق والأكثر أصالة، إذ يربط المؤلف فيه بين مبادئ الدقيق في الكلام والعلوم الحديثة. يتناول ستة موضوعات رئيسية:
مقترح إعادة الخلق، الحركة، السببية الطبيعية، الفلك والكونيات، المبدأ الإنساني وتعدد الأكوان، والتطور.
في مقترح إعادة الخلق، يرى المؤلف أن هذا المبدأ يمكن أن يقدّم تفسيرًا جديداً لمشكلة القياس في ميكانيكا الكم، حيث تظهر مشكلة عدم التحديد الكمي المعبَّر عنها بمبدأ هايزنبرغ. ويقترح المؤلف أن جميع المتغيرات الفيزيائية تخضع لإعادة خلق مستمرة، وأن تواتر إعادة الخلق يتناسب طرديًا مع الطاقة الكلية للنظام. وفي كل إعادة خلق، يُعطى للنظام قيمة جديدة ضمن مدى احتمالي يتناسب عكسيًا مع الطاقة. وهذا يفسّر لماذا تبدو الأنظمة الماكروسكوبية حتمية رغم لا حتمية الأنظمة الميكروسكوبية. ويشير المؤلف إلى أن لهذا المبدأ آثاراً فيزيائية محتملة تتعلق بظواهر مثل التجانس الكمومي Quantum Coherence، وتأثير زينو الكمي، والتشابك الكمي Quantum Entanglement .
في فصل الحركة، يعرض المؤلف رؤية المتكلمين في أن الحركة ليست انتقالًا مستمراً بل هي تعاقب وجود وعدَم، أي إن الجسم لا ينتقل عبر فضاء متصل، بل يظهر في مواضع متتابعة جديدة في كل لحظة خلق. ويربط المؤلف ذلك بتجربة الشق المزدوج في الفيزياء الحديثة، مبينًا أن معدل إعادة الخلق السريع للجسيم يجعله يبدو كأنه يمر من الشقين في آن واحد.
أ
ما فصل السببية الطبيعية فيتناول السؤال الجوهري: ما الذي يسبب الحوادث الطبيعية؟ هل هي خصائص ذاتية في الأشياء أم أن هناك فاعلاً خارجياً منظمًا لها؟ يؤكد المؤلف بحسب عقيدة المسلمين واستناداً إلى الآيات القرآنية وعقيدة الأشاعرة، أن الله هو الفاعل الحقيقي لكل الحوادث، وأن الأسباب الطبيعية ليست سوى وسائط تنفيذ لا تمتلك استقلالاً ذاتياً. لكن هذا لا يعني نفي الأسباب الثانوية، بل وضعها في إطار الخضوع للإرادة الإلهية. ويرى المؤلف أن هذه الرؤية تتسق مع ميكانيكا الكم، حيث العالم تحكمه الاحتمالات لا الحتميات، مما يعني نفي الحتم السببي لا نفي السببية ذاتها.
وفي موضوع الكونيات، يعيد المؤلف قراءة موقف الغزالي من قضايا حجم الكون وإمكان فساده. ويرى أن معالجة الغزالي لمفهوم الزمان والمكان تماثل إلى حد كبير ما جاءت به نظرية النسبية، إذ يعتبر الكون ذا أربعة أبعاد: ثلاثة مكانية وواحد زماني. كما أقر الغزالي بإمكان أن يكون الكون أكبر أو أصغر من حاله الراهن، وبأن الأجرام السماوية قابلة للفساد ولو بمعدل بطيء لا يُدرَك بالحس.
ثم يناقش المؤلف المبدأ الإنساني وتعدد الأكوان، فيقارن بين المبدأ الإنساني الذي يرى أن الكون مهيأ لوجود الإنسان، وبين مفهوم التسخير في القرآن الكريم، حيث سُخّرت السماوات والأرض للإنسان ليقوم بوظيفته في معرفة الله وتنفيذ مشيئته.
أما فكرة تعدد الأكوان، فيشير المؤلف إلى أنها رغم جاذبيتها، ما تزال غير ناضجة علمياً، ومع ذلك لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية لأن قدرة الله مطلقة لا تحدها الأكوان.
وفي الفصل قبل الأخير، يحاول المؤلف توسيع تطبيق مبادئ الدقيق في الكلام لتشمل نظرية التطور. ويقدّم تفسيراً جديداً للتطور قائمًا على مبدأ الاحتمال الإلهي؛ فكما أن العشوائية في ميكانيكا الكم ليست حقيقية بل ناتجة عن نقص معرفتنا، كذلك يمكن النظر إلى العشوائية الظاهرية في الانتقاء الطبيعي والطفرات الجينية على أنها عشوائية معرفية لا وجودية. لكن المؤلف، كما يلاحظ المراجع، لم يقدم تفسيرًا كافياً لغياب الأدلة التي تدعم القول بأن آدم له أصل بيولوجي، واكتفى بمواءمة التطور مع النص القرآني أكثر من مناقشة مواقف المفسرين الأوائل.
خاتمة:
يؤكد المؤلف أن دقيق الكلام يفتح آفاقًا واسعة للبحث في قضايا الفلسفة الطبيعية. ويرى أن الكلام الجديد مشروع طموح يهدف إلى إعادة تشكيل نظرة الإنسان – مسلماً كان أو غير مسلم – إلى الله والكون والإنسان. ويُشبه المراجع هذا المشروع بـ"تحول نموذجي" بالمعنى الكوهني (نسبة إلى توماس كوهن)، أو "برنامج بحثي" بالمعنى اللّكاتوسي (نسبة إلى إمري لاكاتوش). ويمكن إدماج هذا العمل ضمن نموذج "البرنامج البحثي الإسلامي" الذي يجعل من الرؤية الإسلامية مركزاً صلباً محاطاً بحزام واقٍ من الفرضيات المفسرة للعالم الطبيعي.
إن هذا الكتاب يعزز مكانة المؤلف كأحد أبرز المفكرين المسلمين المعاصرين في بناء فلسفة طبيعية مستندة إلى تراث علم الكلام الطويل.
وقد نجح المؤلف في عرض أفكاره وإطار عمله بوضوح، ويُعدّ هذا الكتاب مرجعاً مهمًا في الحوار بين الإسلام والعلم الحديث، وينبغي أن يُستقبل بترحيب خاص من قبل العلماء والباحثين وطلاب الفكر الإسلامي.
التعليقات