الصورة
الهجوم على سجن الباستيل
لماذا هاجم ثوار الثورة الفرنسية سجن الباستيل رغم أن حاميته لم تهاجمهم ؟
لقد كتب المؤرخون أن سبب ذلك أن الثوار اعتبروا الباستيل رمزاً للاستعباد والاستبداد.
كثيرة هي الثورات التي قامت قبيل الثورة الفرنسية 1789 م بعضها هاجم الكنيسة وبعضها هاجم الملك لكن الثورة الفرنسية هاجمت كليهما.
هناك عوامل كثيرة ساهمت في قيام الثورة الفرنسية
ليس من أهمها كما نظن العوامل المعروفة كالفقر والاستبداد والظلم
تبقى هذه العوامل دوافع مهمة لسقوط أي نخبة حاكمة في أي دولة كانت
لكنها ليست الأهم.
لقد نفت كل الكتب ما تم تروجيه على لسان ماري أنطوانيت بأنها قالت كرد على أزمة الخبر فليأكل الشعب البسكويت.
إذن هي الإشاعة أو ما نسميه اليوم الحرب النفسية ، والهجوم على الباستيل كان مفاده التأثير النفسي على الملك وجيشه المتربص فينهار نفسياً وبالفعل رفض بعض الجنود قتال الثوار.
لقد قامت ماري أنطوانيت بتوزيع الأموال على الفقراء وكذلك فعل زوجها
ولقد قال ول ديورنت لقد أحبت فرنسا الملك وكرهته باريس
فهل نحن هنا نقوم بالدفاع عن الملك وزوجته ؟
لقد صرفت ماري أنطوانيت والطبقة المخملية ثروات القصر في الملذات والسهرات والحفلات وكان هناك إدارة تعنى بالموضة لتتلقفها سيدات باريس وعاشقات الطبقة المخملية.
لقد دأب القصر على الانغماس في شتى أنواع الرذائل وكأن ذلك عرفاً يتوارثه الملوك فجاهر بعض ملوك فرنسا بعشق العاهرات علنا ومشاركتهم له الحياة العامة علناً.
وإن مطالعة بسيطة لواقع باريس سنعرف أن صناعة الرذيلة ليست وليدة العلمانية المعاصرة بل هي إرث متأصل، فحين جاهر ساركوزي بالحياة العلنية مع عشيقته لم يكن يتجاوز إرث البلاط الفرنسي قبل الثورة الفرنسية وبعدها.
وقد يظن القارىء أن الثورة الفرنسية جاءت لنشر التنوير وضد الكنيسة والدين ، لكن بالأصل كان الدين قد تهاوى قبيل الثورة وكانت الثورة محقة في تحطيم الشكل المزيف للدين.
حتى ماركس قد عنى هذا الدين حين تكلم عن أفيون الشعوب وقد ذكر غرامشي أنه لم يكن يقصد دين السيد المسيح عليه السلام الفطري النقي.
لقد سرى الإلحاد بين أساقفة الكنيسة قبل أن تسري بينهم الرذيلة
ولقد قال الملك لويس السادس عشر عن أسقف تم تعينه لبلاطه : لا أريد أسقفاً ملحداً في البلاط.
إن الفقر كان منتشراً في فرنسا ويمكن تصوير حالة الفقراء والذين كبلتهم الضرائب فكانوا يدفعون ما يعادل أربعين بالمائة من قوتهم
لكن كان هناك دولاً أفقر من فرنسا وقتها.
انقسم المجتمع لطبقة الملك وحاشيته وطبقة النبلاء وطبقة البرجوازيين وطبقة الاقطاعيين وسائر الشعب.
كان الشعب يشكل تسعين بالمائة من هذه الطبقات وكان الأكثر تهميشاً
لكن من أهم العوامل التي أدت للثورة الفرنسية هي صعود طبقة جديدة من البرجوازيين ساهمت في تأجيج الشعب ضد الملك ورغم الفقر والتهميش لم يكن الشعب ليقوم بمفرده بثورته.
ورغم أن الملك قام بعدة اصلاحات عبر أكثر من وزير وقد ارتضاها فلاسفة التنوير كفولتير وروسو ، لكن لعبت طبقة النبلاء عاملاً في إفشال هذه الاصلاحات خوفاً من فقد مكتسباتها ولكنها لم تكن لتدري أن النار التي أشعلتها ستلتهم الملك وتلتهم طبقتهم كذلك.
يقول الله تعالى :"إِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَٰهَا تَدْمِيرًا"
إن أهم عامل لقيام الثورة الفرنسية واشعال نارها كان المترفين ولقد نعمت باريس لعقود بشتى أنواع الترف والمجون وفاقت ديون القصر الدخل القومي وبدأت القوى الصاعدة من البرجوزايين والمرابين والصناع والتجار والكتّاب بالحرب ضد القوى القديمة لمسيطرة ودخل المرابون كعامل إضافي
ومن غير اليهود عرفوا باشتغالهم بالربا ، وعملت طبقة التجار على احتكار الغلال لرفع سعرها مع فرض موظفي الحكومة المزيد من الضرائب على الغلال وحركتها وما بسمى اليوم الجمارك لتكتمل الصورة ويلتهب الجمر أكثر فأكثر.
حتى دخلت الماسونية كعامل في قيام الثورة الفرنسية و كانت مقراتها علنية ولازالت في باريس وانتشرت أفكارها علنية وسرية، حتى شعار الثورة كان من صناعتها .
هذه الثورة التي انضم لها كل العامة فيما فيهم الأبرشيات الصغيرة
فلقد دخلت الطبقية كيان الكنيسة ذاتها وفي الوقت الذي تمتع الأساقفة بشتى أنواع الترف والملذات زاد فقر الأبرشيات التي كانت تدفع العشر للأساقفة ولا ينالها إلا القليل الذي لا يكفي.
لقد عملت الأبرشيات على التخفيف من معاناة الفقراء ونشر الإيمان في نفوسهم الذي كان كالبلسم لكنهم انضموا للثورة التي كانت ضد الكنيسة والبلاط فليس لديهم ما يخسرونه.
وقامت ثورة دموية زادت من مواجع الناس أكثر فأكثر وتغير الظلم والطبقية من شكل إلى شكل حداثي جديد.
طارق حقي
التعليقات